أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
390
قهوة الإنشاء
إخلاص المقرّ قديما وحديثا لعزيز مصر محكوم بصحته ، لأنه من البيت اليوسفي ، وهذا البيت ما برح أهل مصر متمسكين ببركته وملتمسين تكملة الخير من إيضاحه ، لأن صلاحه ظهر قديما للمسلمين وما شك مسلم في صلاحه ، وهو الصلاح الذي قال فيه فاضل إنشائه ، وقد لحق بربّه ولبس عليه الصبح سوادا من أرديه ظلمائه : [ من السريع ] قلت لضوء الصبح لما بدا * ولونه منكسف حاسر ما لك لا تسفر عن بهجة ؟ * فقال : مات الملك الناصر وصلى عليه وعلى الصبر ، ودفن هو والكرم في قبر . فرحم اللّه هاتيك الروح ، وفتح لها أبواب الجنة فهو آخر ما كانت ترجوه من الفتوح . وأما المقرّ العلمي فقد قال فيه منشئ الدولة المؤيدية : « وما أحقّه فيما حازه من جميل الخلال » ، بقول النابغة الذبياني حيث قال « 1 » : [ من البسيط ] وما نرى فاعلا في الناس يشبهنا « 2 » * وما نحاشي « 3 » من الأقوام من أحد إلّا سليمان إذ قال الإله له : * قم في البرية فازجرها « 4 » عن الفند وفي أيامنا الشريفة يزداد علمه رفعا وتجزم أفعال أعداه « 5 » ، ويصير حصنه المحروس لوجه إقبالنا مرآه « 6 » ، فإنه بالغ في الإخلاص وعلم أن أمير المؤمنين المعتضد باللّه بذل في قبولنا المجهود ، فقلنا : « وغير بدع لسليمان إذ تبرّك بفعل داود » . وقد صار لسمعنا الشريف في مسند مشافهته سماع ، واتصلت به وصار لموصولها المطرب إيقاع « 7 » . وتفاصيل الهدية فقد قوبلت من القبول بالجمل ، والرقيق فشقة الجفاء طويت عنه وقد أبدر في أفق رضانا واكتمل . واللّه تعالى يجعله عند عزيز مصر في كل وقت عزيزا ، ولا برح جذع قبولنا عليه في كل وقت بثمر الثناء مهزوزا . بمنه وكرمه
--> ( 1 ) « ديوان النابغة الذبياني » ص 20 . ( 2 ) يشبهها : نفس المرجع : يشبنهه . ( 3 ) نحاشي : نفس المرجع : أحاشي . ( 4 ) فازجرها : نفس المرجع : فاحدّدها . ( 5 ) اعداه : تو : أعدائه ؛ ها : اعداله . ( 6 ) مراه : ق : براة . ( 7 ) المطرب إيقاع : ق : المضطرب ارتفاع .